النزوح في لبنان: الحرب تكشف ما يخفيه الاحتقان الداخلي
بقلم خورشيد الحسين
ليست المأساة التي يعيشها لبنان اليوم في نزوح آلاف العائلات من الجنوب مجرد نتيجة للحرب، بل هي أيضاً نتيجة خلل أعمق بكثير: خلل في البوصلة الأخلاقية والسياسية لدى جزء من الرأي العام العربي.
المشهد الذي يتكرر في لبنان، كما في غيره من البلدان العربية، لا يقتصر على سقوط القذائف والبيوت، بل يمتد إلى سقوط شيء أخطر: سقوط القدرة على التمييز بين المعتدي والضحية.
لقد نجحت عقود طويلة من الحروب الإعلامية والنفسية في تحقيق ما عجزت عنه الجيوش أحياناً: تحويل جزء من الوعي العربي من موقع الغضب على الاحتلال إلى موقع التبرير له، أو على الأقل إلى موقع الرضا الضمني بجرائمه ما دام الضحايا ينتمون إلى خصم سياسي أو مذهبي.
وهنا تكمن الكارثة.
فبدل أن يبقى الصراع واضحاً في الوعي العربي بوصفه صراعاً بين مشروع استيطاني توسعي وبين شعوب المنطقة، جرى تدريجياً تحويله في أذهان كثيرين إلى صراع داخلي بين العرب أنفسهم. وبدل أن يكون الاحتلال هو المشكلة، صار بعض العرب يتعاملون مع ضحاياه وكأنهم المشكلة.
الأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة لم تعد محصورة في بعض النخب السياسية أو الإعلامية، بل بدأت تتسلل إلى وعي قطاعات شعبية واسعة، خصوصاً في البيئات التي تعرّضت لسنوات طويلة من التعبئة الطائفية والتحريض الإعلامي.
وهكذا يحدث التحول الصادم: يتحوّل العربي الذي نشأ تاريخياً على اعتبار إسرائيل عدواً وجودياً إلى موقع نفسي يرى فيه القصف الإسرائيلي شأناً يمكن تبريره أو التغاضي عنه، ما دام الضحايا ينتمون إلى معسكر سياسي لا يوافقه.
إنه تحوّل خطير في الوعي قبل أن يكون موقفاً سياسياً.
ومن هنا لا يمكن فهم أزمة النزوح في لبنان بمعزل عن هذا التحول.
فحين يُطلب من ضحايا القصف أن يبرروا نزوحهم، أو أن يعتذروا عن مصيبتهم، فنحن لا نكون أمام أزمة إنسانية فقط، بل أمام أزمة وعي سياسي وأخلاقي عميقة.
السؤال الذي يهرب منه الجميع: ماذا لو انتصرت إسرائيل؟
إذا أردنا أن نتحدث ببرودة سياسية بعيداً عن الشعارات، فعلينا أن نعترف بحقيقة واضحة: بعض ردود الفعل اليوم تجاه مأساة النزوح في لبنان لا تخدم إلا المناخ الذي يريده المشروع الصهيوني تماماً.
فحين يتحول الضحايا إلى موضع اتهام، وحين تصبح البيئة التي تتعرض للقصف موضوع ضغط داخلي، فإن الحرب لم تعد تُخاض على الحدود فقط، بل داخل المجتمعات نفسها.
بعض الخطاب المتداول يقول بوضوح أو ضمناً: يجب الضغط على المقاومة عبر الضغط على بيئتها.
لكن السؤال الأكثر بديهية وخطورة:
وماذا بعد ذلك؟
ماذا لو نجح هذا الضغط؟
ماذا لو انهارت المقاومة أو تراجعت؟
ماذا لو خرجت إسرائيل منتصرة؟
هل يعتقد أحد أن المشكلة عند هذه النقطة ستنتهي؟
من يعرف تاريخ المشروع الصهيوني يدرك أن الصراع لم يبدأ بسبب حزب أو تنظيم، ولن ينتهي بزوال أي منهما. المشروع أقدم من ذلك كله. وُجد قبل المقاومة في لبنان، قبل الثورة الإيرانية، وقبل معظم الصراعات التي يختزلها البعض اليوم في سبب واحد.
والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه كل عربي على نفسه ليس: كيف نضغط على خصم داخلي؟
بل: ماذا لو انتصرت إسرائيل فعلاً؟
هل يظن أحد أن دولة قامت على التوسع العسكري ستكتفي بحدودها الحالية؟
ماذا لو وجدت إسرائيل رئيساً في البيت الأبيض مستعداً لمنحها كل ما تريد؟
ماذا يبقى حينها من التوازن في هذه المنطقة؟ ومن سيكون الهدف التالي؟
الوهم الكبير: حين يظن البعض أن إسرائيل يمكن أن تكون حليفاً
من أخطر التحولات في الوعي العربي مؤخراً: وهم أن إسرائيل قد تكون حليفاً ضد خصم داخلي.
هذا الوهم لم ينشأ من فراغ، بل صُنع عبر سنوات من التحريض الإعلامي والتعبئة الطائفية، التي أعادت ترتيب سلم العداوات في أذهان كثيرين.
هكذا حدث الانقلاب الكبير: بدل أن يبقى الاحتلال هو العدو الأول، جرى دفع قطاعات من الرأي العام إلى اعتبار خصومهم الداخليين هم الخطر الأكبر.
وفي هذه اللحظة يبدأ المشروع الإسرائيلي في تحقيق أحد أهم أهدافه: أن يقاتل العرب بعضهم بعضاً، بينما ينسون من يحتل الأرض ويملك التفوق العسكري الساحق.
لكن التاريخ لا يدعم هذا الوهم. إسرائيل لم تقم يوماً على فكرة التحالف مع شعوب المنطقة، بل على فكرة التفوق الدائم عليها.
وحين يضعف الخصوم، لا تميل الدول المتفوقة إلى السلام، بل إلى فرض شروطها بالكامل.
النزوح في لبنان: حين يُطلب من الضحية أن تعتذر
لم تعد أزمة النزوح مجرد مأساة إنسانية فرضتها الحرب، بل تحولت إلى مرآة كاشفة لخلل عميق في الوعي السياسي وفي مفهوم التضامن الوطني.
ففي الوقت الذي تتعرض فيه القرى الجنوبية للقصف اليومي وتسقط البيوت فوق رؤوس أصحابها، نشهد مشهداً مقلقاً: نازحون يُستقبلون بالرفض أو بالتحريض أو بالشروط المهينة، وكأنهم غرباء عن هذا الوطن.
المفارقة المؤلمة: هؤلاء النازحون هم أبناء القرى التي تقف في خط النار الأول، وكثير من أبنائهم يقاتلون على الحدود ويُقتلون دفاعاً عن الأرض. ومع ذلك، يُطلب منهم أن يبرروا وجودهم أو يعتذروا عن مصيبتهم.
النزوح كسلاح ضغط على البيئة الحاضنة
في بعض المناطق اللبنانية، لم يُعامل النازحون كضحايا حرب، بل كـ”مشكلة أمنية” أو “عبء اجتماعي”.
ظهرت سياسات واضحة، من رفض استقبالهم إلى فرض شروط قاسية على وجودهم.
الفكرة الضمنية بسيطة: إذا أُنهكت هذه البيئة اجتماعياً واقتصادياً ونفسياً، فقد تُدفع إلى مراجعة خياراتها السياسية والعسكرية.
أي أن ما تعجز الحرب العسكرية عن تحقيقه، يُراد تحقيقه عبر إنهاك المجتمع نفسه.
لكن هذا المسار يحوّل الضحية إلى هدف، ويحوّل التضامن الوطني إلى سلاح في الصراع الداخلي.
حين يصفق بعض العرب للقصف
في بعض الردود الإعلامية والشعبية، يُسجّل موقف مذهل: رضا ضمني أو تعاطف مع الاحتلال، طالما أن الضحايا من خصوم داخليين.
هذا الموقف ليس مجرد خطأ أو سذاجة، بل تحول نفسي خطير، يعكس استسلاماً جزئياً للغزو الإعلامي والفكري، ويكرّس الانقسام الداخلي.
إن أولئك الذين يصفقون للقصف لا يدركون أنهم بذلك يصبحون جزءاً من اللعبة التي يريدها الاحتلال: تفكيك المجتمع من الداخل قبل أن يتمكن من فرض أي واقع خارجي.
خاتمة: حين يعاقب المجتمع ضحايا الحرب
الأخطر ليس فقط معاناة آلاف العائلات النازحة، بل المسار الذي قد يقود إليه هذا الخطاب.
المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الضربات الخارجية، بل بسبب الانقسامات الداخلية التي تفقدها القدرة على إدراك الخطر الحقيقي.
حين يبدأ مجتمع بمعاقبة ضحايا الحرب بدل مواجهة أسبابها، فإنه يكون قد دخل فعلياً في المسار الذي يريده له أعداؤه.
السكين التي تُسن اليوم لذبح بيئة معينة قد ترتد غداً إلى صدور الجميع.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال عن مصير المقاومة وحدها، بل عن مصير لبنان والمنطقة بأسرها

