السلام المشوه.. انتحار الوعي على أعتاب الهزيمة

السلام المشوه.. انتحار الوعي على أعتاب الهزيمة

بقلم :خورشيد الحسين

بينما يحاول “لبنان الرسمي” اليوم تسويق التنازل تحت مسمى السلام، نجد أنفسنا أمام لحظة مكاشفة قاسية. هذا ليس سلامًا، بل صفعة متعمدة للوعي الجماعي؛ محاولة لشرعنة “الموت السريري” للقضية الفلسطينية قبل أن تبدأ معركة الحق الحقيقية. نحن لا نتفاوض على حدود، بل يُطلب منا التوقيع على صك ملكية اللص للبيت، وشرعنة سرقة القدس، وطمس تاريخ لم يزرعه هؤلاء العابرون.

أنا ضد هذا السلام بالمطلق، ليس من باب الكراهية، بل لأن السلام مع الاحتلال يعني التواطؤ مع الظلم والمشاركة في سرقة الحق. إن القضية الفلسطينية اليوم هي مرآة عجز الوعي العربي، خصوصًا الوعي السني الذي يُراد له أن يبقى مشلولًا، مكتفياً بالمراقبة والمبررات الشكلية. فهل نكتفي بالصمت، أم نعيد الاعتبار للحق بصمود وعقل؟

خديعة الاندماج وتفتيت المنطقة

ما يُطرح اليوم ليس مجرد ترتيبات سياسية، بل مشروع تصفية شامل. إسرائيل لا تبحث عن جيرة حسنة، بل عن اندماج قسري يبتلع الهوية العربية، مدعومًا بآلة أمريكية ترى في تفتيت المنطقة إلى دويلات متناحرة وسيلة للهيمنة المطلقة. إن تصريحات المسؤولين الأمريكيين الأخيرة حول “حق إسرائيل في توسيع أراضيها” تؤكد أن السلام المقترح هو مجرد استراحة محارب للعدو ليقضم المزيد من الجغرافيا والتاريخ.

المقاومة: جذور محلية وأفق قومي

هنا يبرز دور المقاومة في لبنان، ليس كأداة خارجية، بل كفعل وجودي متجذر في الأرض منذ أيام المحتل الفرنسي وصولًا إلى طلائع المقاومة الفلسطينية الأولى. إن محاولات عزل الطائفة الشيعية –العمود الفقري للردع– ليست إلا تمهيدًا لإخلاء الساحة أمام الهجمة الصهيونية القادمة. صمود حزب الله اليوم لا يحمي فقط ما تبقى من كرامة القضية الفلسطينية، بل يفشل أيضًا المخططات الصهيونية المباشرة في لبنان، سواء في الأرض أو الماء أو الغاز، ليؤكد أن لبنان المقاوم هو خط الدفاع الأول ضد الأطماع الإسرائيلية في كل شبر من الوطن.

الخصومة السياسية والعداء الاستراتيجي

من المهم التأكيد على أن الخصومة مع إيران ليست مبدأً استراتيجيًا يمنع التعاون عند الضرورة. نعم، هناك أخطاء سياسية إيرانية كثيرة، لكن هناك أيضًا نقاط التقاء واضحة يمكن البناء عليها لمصلحة المقاومة والمواطن العربي. أما العداء الحقيقي والجوهري، فهو للعدو الصهيوني الذي قام على أرضنا وتاريخنا ويهدد وجودنا وهويتنا، سواء كفلسطينيين أو كعرب ومسلمين. إن أي محاولة لاستبدال هذا العداء الأساسي بالعداء الإيراني هي محاولة لإثارة الطائفية وتفكيك البيئة الحاضنة، مما يخدم المشروع الصهيوني ويضعف الصمود العربي.

خارطة الصمود والمستقبل

لا مجال للمساومة على الحقوق التاريخية؛ فالمشاركة في شرعنة الكيان هي مشاركة فعلية في الجريمة. الطريق لا يمر عبر مكاتب التفاوض المكسورة، بل عبر:

 * تعزيز القوة المحلية الصلبة.

 * حماية البيئة الحاضنة للمقاومة من التفكك.

 * إعادة الاعتبار للوعي العربي الجمعي.

 * ضبط الخصومة السياسية بما لا يضر بمواجهة العدو الصهيوني.

المقاومة اليوم واجب أخلاقي واستراتيجي، والحفاظ على لبنان المقاوم هو الضمانة الوحيدة لكي لا يُطوى الجميع في سرير النسيان.

خاتمة

السلام المبني على أنقاض الحقوق ليس سوى استسلام مقنع ومحاولة لتزييف التاريخ. خيارنا اليوم ليس بين الحرب والسلام بمفهومهما التقليدي، بل بين الوعي الحي الذي يرفض شرعنة السلب، و التبعية المطلقة التي تبيع المستقبل مقابل وهم الاستقرار. سيبقى لبنان المقاوم، بجذوره الضاربة في وجدان شعبه، المصد الأخير أمام مشاريع التفتيت، لتبقى فلسطين هي البوصلة التي لا تخطئ، والشهادة التي لا تقبل التزوير.

  • Related Posts

    من هم الكفار الذين يقاتلون أبناء عمومتنا؟

    Read more

    حين نطق الطوفان…بدأ تٱكل السردية الغريبة

    لم يكن عملية طوفان الأقصى حدثًا عسكريًا عابرًا، بل لحظةً كاشفة خرج فيها الواقع من تحت ركام اللغة، وفرض نفسه بلا وسطاء.لم تُكسر الحدود وحدها… بل كُسر القاموس الذي طالما أخفى حقيقة الصراع خلف عباراتٍ مصقولة.لسنوات، اشتغلت السردية الغربية على معادلة دقيقة:تقديم الهيمنة بوصفها نظامًا أخلاقيًا.الديمقراطية، حقوق الإنسان، الاستقرار… كلها لم تكن مجرد قيم، بل أدوات ضبطٍ للمعنى، تُعيد تعريف العنف وتُعيد ترتيب الضحية والجلاد.لكن الطوفان فجّر هذه المعادلة من داخلها.من “عبء الرجل الأبيض” إلى فجاجة الغنيمةليست هذه أول مرة تنكشف فيها هذه البنية.من فكرة “عبء الرجل الأبيض”، مرورًا بخطابات نشر الديمقراطية بعد أحداث 11 سبتمبر، كانت الإمبراطورية تحتاج دائمًا إلى قصة أخلاقية تبرّر فعلها.لكن ما تغيّر اليوم هو التالي:لم تعد القصة مقنعة… ولا حتى ضرورية أحيانًا.حين يتحدث ترامب بلغةٍ تختزل العالم إلى موارد وغنائم، فهو لا يشذّ عن التاريخ الأميركي، بل يختصره. الفرق فقط أن ما كان يُقال بلغةٍ ناعمة، صار يُقال بلغةٍ فظة.وهنا تحديدًا يبدأ تآكل السردية:ليس لأن الأفعال تغيّرت، بل لأن قدرة تبريرها انهارت.الشقوق من الداخل: حين تعجز النخب عن الإقناعظهور أصوات مثل برني ساندرز وغيره  لا يعني انقلابًا داخل النظام، بل يعني أن النظام بدأ يفقد إحدى أهم أدواته:الإجماع الأخلاقي الداخلي.وهذه ليست تفصيلة.في لحظات سابقة—كحرب فيتنام—لم تبدأ الأزمة بهزيمة عسكرية، بل بفقدان القدرة على إقناع الداخل بجدوى الحرب.اليوم، المشهد يتكرر بشكل مختلف:صور لا يمكن تبريرهاخطاب لم يعد مقنعًاانقسام يتسع ببطءهذا لا يسقط النظام… لكنه يضعه في حالة دفاع دائم.فلسطين: عودة ما لا يمكن دفنهفي ذروة هذا الانكشاف، عادت فلسطين… لا كقضيةٍ رومانسية، بل كـمشكلة بنيوية في النظام الإقليمي.لقد راهن كثيرون على أن الزمن كفيل بتذويبها، وأن الاقتصاد يمكن أن يحل محل التاريخ، وأن التطبيع يمكن أن يطوي الصفحة.لكن عملية طوفان الأقصى أثبت العكس:ما لم يُحل… يُؤجَّل فقط.القضية اليوم ليست كما كانت، لكنها أيضًا ليست كما أرادوها أن تصبح.لم تعد مركز الإجماع الرسمي… لكنها تحوّلت إلى نقطة إحراج دائم.وهم القفز فوق التاريخبنى نتنياهو مشروعه على فرضية بسيطة:يمكن تجاوز الفلسطينيين.وجاءت “اتفاقات إبراهام” لتُترجم…

    Read more

    You Missed

    من هم الكفار الذين يقاتلون أبناء عمومتنا؟

    حين نطق الطوفان…بدأ تٱكل السردية الغريبة

    “باسمِ (الغوييم) العرب.. نعتذرُ لإسرائيل: من الخندقِ حتى غزة ولبنان”

    من يحوّل الطائفية إلى سلاح؟ قراءة في واقع الانقسام العربي

    المأزق الأمريكي–الإسرائيلي: حين تعجز التكنولوجيا أمام حرب الشبكات والزمن المفتوح

    حين يُعاد تعريف العدو: الحرب كاختبار للحقيقة لا للقوة