حين نطق الطوفان…بدأ تٱكل السردية الغريبة
لم يكن عملية طوفان الأقصى حدثًا عسكريًا عابرًا، بل لحظةً كاشفة خرج فيها الواقع من تحت ركام اللغة، وفرض نفسه بلا وسطاء.لم تُكسر الحدود وحدها… بل كُسر القاموس الذي طالما أخفى حقيقة الصراع خلف عباراتٍ مصقولة.لسنوات، اشتغلت السردية الغربية على معادلة دقيقة:تقديم الهيمنة بوصفها نظامًا أخلاقيًا.الديمقراطية، حقوق الإنسان، الاستقرار… كلها لم تكن مجرد قيم، بل أدوات ضبطٍ للمعنى، تُعيد تعريف العنف وتُعيد ترتيب الضحية والجلاد.لكن الطوفان فجّر هذه المعادلة من داخلها.من “عبء الرجل الأبيض” إلى فجاجة الغنيمةليست هذه أول مرة تنكشف فيها هذه البنية.من فكرة “عبء الرجل الأبيض”، مرورًا بخطابات نشر الديمقراطية بعد أحداث 11 سبتمبر، كانت الإمبراطورية تحتاج دائمًا إلى قصة أخلاقية تبرّر فعلها.لكن ما تغيّر اليوم هو التالي:لم تعد القصة مقنعة… ولا حتى ضرورية أحيانًا.حين يتحدث ترامب بلغةٍ تختزل العالم إلى موارد وغنائم، فهو لا يشذّ عن التاريخ الأميركي، بل يختصره. الفرق فقط أن ما كان يُقال بلغةٍ ناعمة، صار يُقال بلغةٍ فظة.وهنا تحديدًا يبدأ تآكل السردية:ليس لأن الأفعال تغيّرت، بل لأن قدرة تبريرها انهارت.الشقوق من الداخل: حين تعجز النخب عن الإقناعظهور أصوات مثل برني ساندرز وغيره لا يعني انقلابًا داخل النظام، بل يعني أن النظام بدأ يفقد إحدى أهم أدواته:الإجماع الأخلاقي الداخلي.وهذه ليست تفصيلة.في لحظات سابقة—كحرب فيتنام—لم تبدأ الأزمة بهزيمة عسكرية، بل بفقدان القدرة على إقناع الداخل بجدوى الحرب.اليوم، المشهد يتكرر بشكل مختلف:صور لا يمكن تبريرهاخطاب لم يعد مقنعًاانقسام يتسع ببطءهذا لا يسقط النظام… لكنه يضعه في حالة دفاع دائم.فلسطين: عودة ما لا يمكن دفنهفي ذروة هذا الانكشاف، عادت فلسطين… لا كقضيةٍ رومانسية، بل كـمشكلة بنيوية في النظام الإقليمي.لقد راهن كثيرون على أن الزمن كفيل بتذويبها، وأن الاقتصاد يمكن أن يحل محل التاريخ، وأن التطبيع يمكن أن يطوي الصفحة.لكن عملية طوفان الأقصى أثبت العكس:ما لم يُحل… يُؤجَّل فقط.القضية اليوم ليست كما كانت، لكنها أيضًا ليست كما أرادوها أن تصبح.لم تعد مركز الإجماع الرسمي… لكنها تحوّلت إلى نقطة إحراج دائم.وهم القفز فوق التاريخبنى نتنياهو مشروعه على فرضية بسيطة:يمكن تجاوز الفلسطينيين.وجاءت “اتفاقات إبراهام” لتُترجم…
Read more“باسمِ (الغوييم) العرب.. نعتذرُ لإسرائيل: من الخندقِ حتى غزة ولبنان”
بقلم خورشيد الحسين نعتذرُ يا إسرائيل..باسم العواصم الصامتة، والجيوش المدججة بالصدأ، والضمائر التي بيعت في أسواق “الواقعية” الرخيصة. نعتذرُ لكِ اعتذاراً شاملاً، يبدأُ من حفر “الخندق” في المدينة، وصولاً إلى أنفاق “غزة” وبيوت “الجنوب” في لبنان.نعتذرُ لأن أجدادنا في “الخندق” لم يفهموا أن “الأحزاب” التي حاصرتهم كانت تملك “حقاً تاريخياً”، وأن صمودهم ذاك كان “إرهاباً” مبكراً ضد جيرانهم المسالمين. يا لخجلنا من ذلك الصمود الذي أخّر “السلام” ألفاً وأربعمائة عام!نعتذرُ اليوم، لأن غزة ولبنان يرتكبان “خطيئة” الصمود ذاتها. نعتذرُ لأن أشلاء الأطفال في قانا وجباليا تزعجُ طمأنينة مستوطنيكِ. ما كان لهؤلاء “المتمردين” أن يرفعوا رؤوسهم أمام آلتكِ المقدسة، فهم لا يمثلوننا.. نحن “الأمة المعتذرة”، نحن الذين نرى في دمارنا “وجهة نظر”، وفي إبادتنا “ضرورة ديمقراطية”.نعتذرُ بدمائنا الباردة وأرواحنا المستلبة..نرفعُ إليكم هذا “الاستغفار الحضاري” عن قرونٍ من “الوقاحة” التاريخية. نعتذرُ عن “خرافة” الرسالة؛ نعتذرُ لأن نبيَّنا في خيبر لم يكن “متسامحاً” بما يكفي ليترك لكم “حقكم” في قلب الجزيرة. يا لخجلنا من “عناده” ضد السامية! نعتذرُ لأننا صدقنا لقرونٍ أنه رسولٌ جاء بالحق، بينما الواقعُ “العربي” اليوم يثبتُ أنكم أنتم “الأنبياءُ الجدد” الذين تمنحوننا صكوك الغفران. نعتذرُ عن كل سيفٍ رُفع في وجهكم، ونعترفُ اليوم بأن “خيبر” لم تكن نصراً، بل كانت جريمةً نكفّرُ عنها الآن بالركوع.نعتذرُ عن “جهالة” عمر بن الخطاب..ذلك “البدوي” الذي جاء ليتسلّم مفاتيح القدس؛ نعتذرُ عن “خطيئته” حين وافق على “العهدة العمرية” وأقصاكم عن سكنى “مدينتكم”. يا لها من وقاحةٍ أن يجرؤ “عربي” على حرمان “أبناء الله” من هواء القدس! نحن اليوم نتبرأُ من عدله، ومن فتوحاته، ومن غبار نعليه. خذوا القدس، وخذوا الهيكل، وخذوا حتى صلواتنا، فقد اكتشفنا أخيراً أننا لسنا “خير أمة”، بل “أرذل أمة” أُخرجت للناس لتصفق لجلادها.نعتذرُ عن “ضجيج” جثثنا..نعتذرُ لأننا أزعجنا طائراتكم الفارهة بأشلاء أطفالنا. يا لقلة ذوقنا! كيف تجرؤ تلك الأجساد الصغيرة أن تتمزق لتخدش “جمال الديمقراطية” الإسرائيلية؟ اعتذارنا موصولٌ عن كل قطرة دمٍ سالت، فهي ليست إلا “تلوثاً بصرياً” في مشروع “الشرق الأوسط الجديد”. مئات…
Read moreمن يحوّل الطائفية إلى سلاح؟ قراءة في واقع الانقسام العربي
من يحوّل الطائفية إلى سلاح؟ قراءة في واقع الانقسام العربي من يحوّل الطائفية إلى سلاح؟ قراءة في واقع الانقسام العربي الطائفية لم تكن يومًا قدرًا… لكنها تتحول، مرة بعد مرة، إلى السلاح الأخطر الذي نُوجَّه به ضد أنفسنا لا يمكن مقاربة الواقع التشظّي الذي ينهش الجسد العربي اليوم، وتحديداً في الرئة اللبنانية، بوصفه نتاج “صدفة سياسية” أو انفجارات عفوية للتناقضات الطائفية. نحن أمام مشهد مركّب، يتداخل فيه التخطيط الاستراتيجي الخارجي مع الهشاشة البنيوية للداخل، لينتج ما يمكن تسميته: “الانتحار الجماعي المُوجَّه”. أولاً: المخططات الكبرى.. من الجغرافيا إلى السوسيولوجيا تكشف القراءة الرصينة للتاريخ الحديث أن “الحدود” لم تكن يوماً خطوطاً ثابتة على خارطة، بل مشروعاً مفتوحاً لإعادة التشكيل. فمنذ مؤتمر باريس للسلام عام 1919، قدّمت الحركة الصهيونية تصوراً يتجاوز فلسطين التاريخية، ليطال الليطاني وحوران، ضمن رؤية تقوم على توسيع “المجال الحيوي”. غير أن التحول الأخطر لم يكن في قضم الجغرافيا، بل في الانتقال إلى تفكيك البنية الاجتماعية نفسها. هنا تبرز خطة “عوديد ينون” (1982)، المنشورة في مجلة “كيفونيم”، والتي لم تكن مجرد دراسة نظرية، بل أقرب إلى “مانيفستو” يدعو صراحة إلى تحويل الدول العربية إلى كيانات طائفية وإثنية متناحرة. هذه الرؤية لم تبقَ معزولة، بل وجدت امتداداتها في أطروحات برنارد لويس حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وفي وثيقة “الكسر النظيف” (1996)، التي دفعت نحو تغيير بنية الدول المحيطة وتحويلها من دول مركزية إلى ساحات مفتوحة للصراع الداخلي. ثانياً: “القابلية للتفتيت”.. الثغرة التي نُفذ منها لكن اختزال المشهد في “مؤامرة خارجية” وحدها، هو تبسيط مخل.الحقيقة الأكثر قسوة تكمن في وجود قابلية داخلية للتفكك. فغياب العقد الاجتماعي الحقيقي، وفشل مشاريع التنمية، وتحول الدولة إلى مساحة لتقاسم الغنائم، كلها عوامل دفعت الفرد إلى الاحتماء بهوياته الفرعية: الطائفة، المذهب، القبيلة… بدل الدولة. هنا تلتقي “الفوضى الخلاقة” مع ما يمكن تسميته بـ “الفراغ السيادي”:حين تتراجع الدولة، لا يختفي الصراع، بل يتفكك إلى صراعات أصغر، أكثر حدة، وأكثر قابلية للاشتعال. وفي هذه البيئة، يصبح الخوف هو المحرك الأساسي:خوف من الآخر القريب، لا من الخطر البعيد.وهنا تحديداً،…
Read moreالمأزق الأمريكي–الإسرائيلي: حين تعجز التكنولوجيا أمام حرب الشبكات والزمن المفتوح
بقلم:خورشيد الحسين في عالم الحسابات العسكرية التقليدية، تبدو الكفة مائلة بوضوح؛ ترسانة تكنولوجية غير مسبوقة، مدعومة بذكاء اصطناعي وقوة نيران أمريكية هائلة. لكن الميدان في الشرق الأوسط اليوم يروي قصة مختلفة تماماً، حيث تصطدم هذه “المطرقة” التكنولوجية بجدار صلب من “حرب الشبكات” و”الزمن المفتوح”، لينتج عن ذلك ما يمكن وصفه بحالة انسداد استراتيجي. أولاً: وهم الحسم التكنولوجي لقد سقطت أسطورة “الردع بالتقنية”. فبينما تقوم العقيدة العسكرية الإسرائيلية على الحروب الخاطفة وحسم المعارك سريعاً، تجد نفسها اليوم غارقة في استنزاف داخلي غير مسبوق. التكنولوجيا، رغم دقتها في الاغتيال والتدمير، عجزت عن تقديم مخرج سياسي أو نصر ناجز. الخوارزميات لا تهزم إرادة الصمود. فالآلة، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع تفكيك بنية اجتماعية تؤمن بأن الزمن هو سلاحها الأهم. ثانياً: من الهرم إلى الشبكة… العدو اللامركزي أخطر ما يواجه إسرائيل والولايات المتحدة اليوم هو تحوّل خصومها إلى نموذج شبكي مرن. لم يعد هناك رأس أو مركز يمكن ضربه لإنهاء المعركة؛ فالبنية الهرمية التقليدية تفككت لصالح خلايا مستقلة، قادرة على التكيّف والتكاثر وإدارة العمليات دون حاجة إلى مركز قيادة ثابت. هذا النوع من الحروب يجعل القوة التكنولوجية تضرب أهدافاً غير حاسمة، حيث يصبح “الانتصار المادي” بلا معنى استراتيجي، لأن البنية نفسها قابلة لإعادة التشكل باستمرار. ثالثاً: فخ الزمن المفتوح وإرهاق الجبهات تعيش إسرائيل اليوم مأزقاً يتجلى في تعدد الجبهات واستنزافها المتزامن. فكل جبهة تُفتح بهدف تخفيف الضغط، تخلق ضغطاً جديداً أعمق. وبينما تحتاج إسرائيل إلى زمن قصير لحسم المعركة واستعادة توازنها الداخلي، يفرض الميدان زمناً مفتوحاً يحوّل الحرب إلى اختبار صمود طويل. القوة العسكرية المفرطة لم تعد كافية لتحمل حرب استنزاف ممتدة في بيئة إقليمية معقدة. رابعاً: صمت الخليج… انزياح هادئ في موازاة ذلك، يبرز تحول خليجي صامت، حيث تتجه العواصم إلى إعادة حساباتها الأمنية بعيداً عن الانخراط المباشر في صراع مفتوح، مع ميل متزايد نحو تنويع الشراكات وتفادي كلفة المواجهة.هذا الصمت، وإن بدا حياداً، يعكس في جوهره بداية انزياح استراتيجي قد يكون له أثر حاسم في موازين المرحلة…
Read moreحين يُعاد تعريف العدو: الحرب كاختبار للحقيقة لا للقوة
بقلم خورشيد الحسينلم تعد الحرب في منطقتنا مجرد صدام عسكري على حدود الجغرافيا، بل تحولت إلى صراع على حدود الحقيقة نفسها. إنها اللحظة التي سقطت فيها الأقنعة، وظهرت التحالفات عارية من خطاباتها، ومتماسكة فقط بضرورات البقاء.هذه الحرب لم تغيّر موازين القوى بقدر ما كشفت هشاشة السرديات التي سُوّقت لعقود تحت عناوين السيادة والاستقلال. السيادة.. من القرار إلى “الوظيفة” ما كشفته المواجهة بوضوح صادم، هو أن ما كان يُسمّى “قراراً سيادياً” قد تقلّص إلى مجرد “هامش حركة”.الدول التي توهّمت أنها تدير أمنها، تبيّن أنها تتحرك داخل منظومة أوسع، تُحدد لها السقف… لا الاتجاه فقط.لم تعد السيادة قراراً مستقلاً، بل تحولت إلى وظيفة داخل شبكة أمنية عابرة للحدود؛ شبكة تتداخل فيها الرادارات، وتُصنع فيها القرارات الكبرى خارج الحدود، لتُنفذ بأيدٍ داخلية.أما “الضمانات الأمنية” التي طالما جرى تسويقها، فقد ظهرت على حقيقتها: ليست حماية، بل تبعية مشروطة؛ أمن مقابل سلب الإرادة، واستقرار مقابل الاصطفاف. تبديل العدو.. الانقلاب الهادئ في البوصلة لم يصدر بيان رسمي يعلن تغيير العدو، لكن الخطاب الرسمي أنجز ذلك عبر “هندسة صامتة”.تحولت إسرائيل، بهدوء محسوب، من “عدو وجودي” إلى “ملف سياسي” قابل للإدارة،فيما جرى رفع خصوم إقليميين إلى مرتبة “الخطر الوجودي” الذي لا يحتمل التأجيل.بهذا التحول، لم تتغير الكلمات فقط، بل جرى إعادة تشكيل الوعي نفسه:تم تخفيض العدو الحقيقي الذي يهدد الأرض والإنسان، ورفع خصوم آخرين إلى موقعه، حتى بدا هذا الانقلاب وكأنه “واقعية سياسية”، لا إعادة صياغة مريبة للمعركة. نقد مزدوج: لا تبرئة ولا شيطنة في قلب هذا المشهد، لا مكان للسرديات الكسولة؛ لا تبرئة مطلقة ولا شيطنة انتقائية.إيران حالة مركّبة لا تختزل بشعار واحد.فلا يمكن إنكار دورها في دعم قوى مقاومة، وإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في معادلات القوة.لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل كلفة تدخلاتها في المجتمعات العربية، ولا توظيفها الخطير للبعد المذهبي لبناء نفوذ يتجاوز التوازن إلى تفتيت الداخل.الحقيقة الصلبة:لا يمكن إنكار دعم إيران للمقاومة… كما لا يمكن تبرير طريقتها في إدارة صراعاتها داخل نسيجنا العربي.وفي الجهة المقابلة، لم تخطئ الأنظمة العربية…
Read moreالسلام المشوه.. انتحار الوعي على أعتاب الهزيمة
السلام المشوه.. انتحار الوعي على أعتاب الهزيمة بقلم :خورشيد الحسين بينما يحاول “لبنان الرسمي” اليوم تسويق التنازل تحت مسمى السلام، نجد أنفسنا أمام لحظة مكاشفة قاسية. هذا ليس سلامًا، بل صفعة متعمدة للوعي الجماعي؛ محاولة لشرعنة “الموت السريري” للقضية الفلسطينية قبل أن تبدأ معركة الحق الحقيقية. نحن لا نتفاوض على حدود، بل يُطلب منا التوقيع على صك ملكية اللص للبيت، وشرعنة سرقة القدس، وطمس تاريخ لم يزرعه هؤلاء العابرون. أنا ضد هذا السلام بالمطلق، ليس من باب الكراهية، بل لأن السلام مع الاحتلال يعني التواطؤ مع الظلم والمشاركة في سرقة الحق. إن القضية الفلسطينية اليوم هي مرآة عجز الوعي العربي، خصوصًا الوعي السني الذي يُراد له أن يبقى مشلولًا، مكتفياً بالمراقبة والمبررات الشكلية. فهل نكتفي بالصمت، أم نعيد الاعتبار للحق بصمود وعقل؟ خديعة الاندماج وتفتيت المنطقة ما يُطرح اليوم ليس مجرد ترتيبات سياسية، بل مشروع تصفية شامل. إسرائيل لا تبحث عن جيرة حسنة، بل عن اندماج قسري يبتلع الهوية العربية، مدعومًا بآلة أمريكية ترى في تفتيت المنطقة إلى دويلات متناحرة وسيلة للهيمنة المطلقة. إن تصريحات المسؤولين الأمريكيين الأخيرة حول “حق إسرائيل في توسيع أراضيها” تؤكد أن السلام المقترح هو مجرد استراحة محارب للعدو ليقضم المزيد من الجغرافيا والتاريخ. المقاومة: جذور محلية وأفق قومي هنا يبرز دور المقاومة في لبنان، ليس كأداة خارجية، بل كفعل وجودي متجذر في الأرض منذ أيام المحتل الفرنسي وصولًا إلى طلائع المقاومة الفلسطينية الأولى. إن محاولات عزل الطائفة الشيعية –العمود الفقري للردع– ليست إلا تمهيدًا لإخلاء الساحة أمام الهجمة الصهيونية القادمة. صمود حزب الله اليوم لا يحمي فقط ما تبقى من كرامة القضية الفلسطينية، بل يفشل أيضًا المخططات الصهيونية المباشرة في لبنان، سواء في الأرض أو الماء أو الغاز، ليؤكد أن لبنان المقاوم هو خط الدفاع الأول ضد الأطماع الإسرائيلية في كل شبر من الوطن. الخصومة السياسية والعداء الاستراتيجي من المهم التأكيد على أن الخصومة مع إيران ليست مبدأً استراتيجيًا يمنع التعاون عند الضرورة. نعم، هناك أخطاء سياسية إيرانية كثيرة، لكن…
Read moreالنزوح في لبنان: الحرب تكشف ما يخفيه الاحتقان الداخلي
النزوح في لبنان: الحرب تكشف ما يخفيه الاحتقان الداخلي بقلم خورشيد الحسين ليست المأساة التي يعيشها لبنان اليوم في نزوح آلاف العائلات من الجنوب مجرد نتيجة للحرب، بل هي أيضاً نتيجة خلل أعمق بكثير: خلل في البوصلة الأخلاقية والسياسية لدى جزء من الرأي العام العربي. المشهد الذي يتكرر في لبنان، كما في غيره من البلدان العربية، لا يقتصر على سقوط القذائف والبيوت، بل يمتد إلى سقوط شيء أخطر: سقوط القدرة على التمييز بين المعتدي والضحية. لقد نجحت عقود طويلة من الحروب الإعلامية والنفسية في تحقيق ما عجزت عنه الجيوش أحياناً: تحويل جزء من الوعي العربي من موقع الغضب على الاحتلال إلى موقع التبرير له، أو على الأقل إلى موقع الرضا الضمني بجرائمه ما دام الضحايا ينتمون إلى خصم سياسي أو مذهبي. وهنا تكمن الكارثة. فبدل أن يبقى الصراع واضحاً في الوعي العربي بوصفه صراعاً بين مشروع استيطاني توسعي وبين شعوب المنطقة، جرى تدريجياً تحويله في أذهان كثيرين إلى صراع داخلي بين العرب أنفسهم. وبدل أن يكون الاحتلال هو المشكلة، صار بعض العرب يتعاملون مع ضحاياه وكأنهم المشكلة. الأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة لم تعد محصورة في بعض النخب السياسية أو الإعلامية، بل بدأت تتسلل إلى وعي قطاعات شعبية واسعة، خصوصاً في البيئات التي تعرّضت لسنوات طويلة من التعبئة الطائفية والتحريض الإعلامي. وهكذا يحدث التحول الصادم: يتحوّل العربي الذي نشأ تاريخياً على اعتبار إسرائيل عدواً وجودياً إلى موقع نفسي يرى فيه القصف الإسرائيلي شأناً يمكن تبريره أو التغاضي عنه، ما دام الضحايا ينتمون إلى معسكر سياسي لا يوافقه. إنه تحوّل خطير في الوعي قبل أن يكون موقفاً سياسياً. ومن هنا لا يمكن فهم أزمة النزوح في لبنان بمعزل عن هذا التحول. فحين يُطلب من ضحايا القصف أن يبرروا نزوحهم، أو أن يعتذروا عن مصيبتهم، فنحن لا نكون أمام أزمة إنسانية فقط، بل أمام أزمة وعي سياسي وأخلاقي عميقة. السؤال الذي يهرب منه الجميع: ماذا لو انتصرت إسرائيل؟ إذا أردنا أن نتحدث ببرودة سياسية بعيداً عن…
Read moreالهوية الفلسطينية بين الذاكرة والمنفى:
ا منذ أن ارتُكبت النكبة عام 1948، لم يكن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي صراعًا على الأرض وحدها، بل على الذاكرة أيضًا؛ على صورة الإنسان الفلسطيني في وعيه أولاً، وفي وعي العالم من بعده. فمنذ اللحظة الأولى، لم تكتفِ الصهيونية بالاستيلاء على الأرض، بل سعت إلى سرقة السردية التي تُبرّر وجودها فوق تلك الأرض، وجعل الفلسطينيّ غريبًا في وطنه، ثم غريبًا عن ذاته في المنافي. ومع مرور العقود، لم يهدأ هذا الصراع الرمزي والثقافي، بل اشتدّ مع تحوّل الهوية الفلسطينية إلى ميدان مقاومةٍ لا تقلّ ضراوة عن الميدان العسكري. تتناول هذه الدراسة المخاطر التي تحيق بالهوية الفلسطينية في زمنٍ تبدو فيه المعركة على الوعي أشدّ فتكًا من المعركة على الجغرافيا. فالمسألة لم تعد مقتصرة على التهجير أو الاحتلال المباشر، بل امتدت إلى محاولات إعادة تشكيل الإنسان الفلسطيني وفق منطق “الواقع الجديد”، عبر أدوات التعليم والإعلام والتكنولوجيا والانقسام السياسي والعولمة الثقافية. إن ما يجري اليوم هو إعادة كتابة التاريخ الفلسطيني بمفرداتٍ إسرائيلية، وإعادة تعريف الانتماء بمفاهيم مرتبطة بـ”السلام الاقتصادي” و”الواقعية السياسية”، في وقتٍ تُمحى فيه الرموز ويُستبدل فيها الوعي الجمعي بوعيٍ استهلاكي هشّ. منذ النكبة وحتى اليوم، تتأرجح الهوية الفلسطينية بين الثبات في الذاكرة والانكسار تحت ضغط التحولات. إنها هويةٌ صنعتها التجربة والدمع والمنفى، وواجهت استعمارًا استيطانيًا أراد أن يطمسها عبر المكان، والسياسة، والتاريخ، وحتى اللغة. هذه الدراسة محاولة لتفكيك المخاطر التي تحاصر تلك الهوية: من طمس الرموز وتزييف الوعي، إلى الانقسام الداخلي والشتات، مرورًا بالتحديات الثقافية والإعلامية التي تحاول تفريغ الفلسطيني من مضمونه الإنساني والوطني، وصولًا إلى السؤال الأعمق: هل لا تزال المقاومة قادرة على حماية جوهر الهوية في زمنٍ تحكمه العولمة ونظام التفاهة؟ المحور الأول: الجذور التاريخية للهوية الفلسطينية ليست الهوية الفلسطينية صناعة طارئة أو نتيجة ردّ فعلٍ على المشروع الصهيوني فحسب، بل هي نتاج تراكمٍ حضاري وثقافيّ ضاربٍ في عمق التاريخ العربي والإسلامي لبلاد الشام. من مدنٍ مثل القدس وغزة ويافا ونابلس والخليل، تشكّل الوعي الجمعي الفلسطيني في تفاعلٍ مستمر مع محيطه العربي، محتفظًا بخصوصيته التي…
Read more