بقلم خورشيد الحسين
نعتذرُ يا إسرائيل..باسم العواصم الصامتة، والجيوش المدججة بالصدأ، والضمائر التي بيعت في أسواق “الواقعية” الرخيصة. نعتذرُ لكِ اعتذاراً شاملاً، يبدأُ من حفر “الخندق” في المدينة، وصولاً إلى أنفاق “غزة” وبيوت “الجنوب” في لبنان.نعتذرُ لأن أجدادنا في “الخندق” لم يفهموا أن “الأحزاب” التي حاصرتهم كانت تملك “حقاً تاريخياً”، وأن صمودهم ذاك كان “إرهاباً” مبكراً ضد جيرانهم المسالمين. يا لخجلنا من ذلك الصمود الذي أخّر “السلام” ألفاً وأربعمائة عام!نعتذرُ اليوم، لأن غزة ولبنان يرتكبان “خطيئة” الصمود ذاتها. نعتذرُ لأن أشلاء الأطفال في قانا وجباليا تزعجُ طمأنينة مستوطنيكِ. ما كان لهؤلاء “المتمردين” أن يرفعوا رؤوسهم أمام آلتكِ المقدسة، فهم لا يمثلوننا.. نحن “الأمة المعتذرة”، نحن الذين نرى في دمارنا “وجهة نظر”، وفي إبادتنا “ضرورة ديمقراطية”.نعتذرُ بدمائنا الباردة وأرواحنا المستلبة..نرفعُ إليكم هذا “الاستغفار الحضاري” عن قرونٍ من “الوقاحة” التاريخية. نعتذرُ عن “خرافة” الرسالة؛ نعتذرُ لأن نبيَّنا في خيبر لم يكن “متسامحاً” بما يكفي ليترك لكم “حقكم” في قلب الجزيرة. يا لخجلنا من “عناده” ضد السامية! نعتذرُ لأننا صدقنا لقرونٍ أنه رسولٌ جاء بالحق، بينما الواقعُ “العربي” اليوم يثبتُ أنكم أنتم “الأنبياءُ الجدد” الذين تمنحوننا صكوك الغفران. نعتذرُ عن كل سيفٍ رُفع في وجهكم، ونعترفُ اليوم بأن “خيبر” لم تكن نصراً، بل كانت جريمةً نكفّرُ عنها الآن بالركوع.نعتذرُ عن “جهالة” عمر بن الخطاب..ذلك “البدوي” الذي جاء ليتسلّم مفاتيح القدس؛ نعتذرُ عن “خطيئته” حين وافق على “العهدة العمرية” وأقصاكم عن سكنى “مدينتكم”. يا لها من وقاحةٍ أن يجرؤ “عربي” على حرمان “أبناء الله” من هواء القدس! نحن اليوم نتبرأُ من عدله، ومن فتوحاته، ومن غبار نعليه. خذوا القدس، وخذوا الهيكل، وخذوا حتى صلواتنا، فقد اكتشفنا أخيراً أننا لسنا “خير أمة”، بل “أرذل أمة” أُخرجت للناس لتصفق لجلادها.نعتذرُ عن “ضجيج” جثثنا..نعتذرُ لأننا أزعجنا طائراتكم الفارهة بأشلاء أطفالنا. يا لقلة ذوقنا! كيف تجرؤ تلك الأجساد الصغيرة أن تتمزق لتخدش “جمال الديمقراطية” الإسرائيلية؟ اعتذارنا موصولٌ عن كل قطرة دمٍ سالت، فهي ليست إلا “تلوثاً بصرياً” في مشروع “الشرق الأوسط الجديد”. مئات الآلاف من القتلى؟ وماذا يعني؟ فليذهب العربُ جميعاً إلى الجحيم، كي لا يتعكر مزاجُ مستوطنٍ واحد وهو يشرب قهوته فوق أنقاض بيوتنا.أيها العربيُّ “المخصيُّ” سياسياً وثقافياً..انظر في المرآة؛ أنت لا تملكُ من عمر بن الخطاب إلا “اللحية” التي تحلقها لترضي أسيادك، ولا من محمد إلا “الاسم” الذي تلطخه بصمتك. أنت اليوم “ثوبٌ مرقع” من التبعية، شعبٌ يسبُّ إسرائيل في صلاته، ويقبلُ حذاءها في صفقاته. لقد “هززنا” لك المقدس، لا لكي تستيقظ، بل لكي تكتشف أنك “عبدٌ” يحب قيده، وكائنٌ لا يستحقُّ حتى أن يكون “عدواً”.نعتذرُ يا إسرائيل.. لأننا ما زلنا نتنفس، ولأن “خطيئة وجودنا” على هذه الأرض لا زالت تذكركِ بأنكِ سرقتِ وطناً من قومٍ لا يستحقون حتى “الذاكرة”.