من يحوّل الطائفية إلى سلاح؟ قراءة في واقع الانقسام العربي
من يحوّل الطائفية إلى سلاح؟ قراءة في واقع الانقسام العربي
الطائفية لم تكن يومًا قدرًا… لكنها تتحول، مرة بعد مرة، إلى السلاح الأخطر الذي نُوجَّه به ضد أنفسنا
لا يمكن مقاربة الواقع التشظّي الذي ينهش الجسد العربي اليوم، وتحديداً في الرئة اللبنانية، بوصفه نتاج “صدفة سياسية” أو انفجارات عفوية للتناقضات الطائفية. نحن أمام مشهد مركّب، يتداخل فيه التخطيط الاستراتيجي الخارجي مع الهشاشة البنيوية للداخل، لينتج ما يمكن تسميته: “الانتحار الجماعي المُوجَّه”.
أولاً: المخططات الكبرى.. من الجغرافيا إلى السوسيولوجيا
تكشف القراءة الرصينة للتاريخ الحديث أن “الحدود” لم تكن يوماً خطوطاً ثابتة على خارطة، بل مشروعاً مفتوحاً لإعادة التشكيل. فمنذ مؤتمر باريس للسلام عام 1919، قدّمت الحركة الصهيونية تصوراً يتجاوز فلسطين التاريخية، ليطال الليطاني وحوران، ضمن رؤية تقوم على توسيع “المجال الحيوي”.
غير أن التحول الأخطر لم يكن في قضم الجغرافيا، بل في الانتقال إلى تفكيك البنية الاجتماعية نفسها. هنا تبرز خطة “عوديد ينون” (1982)، المنشورة في مجلة “كيفونيم”، والتي لم تكن مجرد دراسة نظرية، بل أقرب إلى “مانيفستو” يدعو صراحة إلى تحويل الدول العربية إلى كيانات طائفية وإثنية متناحرة.
هذه الرؤية لم تبقَ معزولة، بل وجدت امتداداتها في أطروحات برنارد لويس حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وفي وثيقة “الكسر النظيف” (1996)، التي دفعت نحو تغيير بنية الدول المحيطة وتحويلها من دول مركزية إلى ساحات مفتوحة للصراع الداخلي.
ثانياً: “القابلية للتفتيت”.. الثغرة التي نُفذ منها
لكن اختزال المشهد في “مؤامرة خارجية” وحدها، هو تبسيط مخل.
الحقيقة الأكثر قسوة تكمن في وجود قابلية داخلية للتفكك.
فغياب العقد الاجتماعي الحقيقي، وفشل مشاريع التنمية، وتحول الدولة إلى مساحة لتقاسم الغنائم، كلها عوامل دفعت الفرد إلى الاحتماء بهوياته الفرعية: الطائفة، المذهب، القبيلة… بدل الدولة.
هنا تلتقي “الفوضى الخلاقة” مع ما يمكن تسميته بـ “الفراغ السيادي”:
حين تتراجع الدولة، لا يختفي الصراع، بل يتفكك إلى صراعات أصغر، أكثر حدة، وأكثر قابلية للاشتعال.
وفي هذه البيئة، يصبح الخوف هو المحرك الأساسي:
خوف من الآخر القريب، لا من الخطر البعيد.
وهنا تحديداً، تبدأ الهزيمة من الداخل، عبر ما يمكن تسميته: “استبطان الهزيمة”.
ثالثاً: الفجوة النخبوية ومعضلة الجيل
تكمن إحدى أخطر الإشكاليات في الفجوة بين من يشرح الواقع ومن يعيشه.
النخب تنتج تحليلات، لكن القواعد—وخاصة الشباب—تتلقى الواقع كصدمات متتالية، دون أدوات كافية للفهم أو التفكيك.
الشباب العربي اليوم عالق بين:
- واقع اقتصادي ضاغط،
- وخطاب تعبوي طائفي يقدم إجابات سهلة لأسئلة معقدة.
وفي ظل هذا الفراغ، يصبح الفهم العميق لما يدور حولنا ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية.
بدونه، يتحول الجيل الجديد إلى وقود جاهز لصراعات لم يخترها، بل وُضعت له مسبقاً.
كيف نخرج من “مختبر التجارب”؟
الواقع الانقسامي ليس قدراً، بل نتيجة تقاطع بين تخطيط خارجي وثغرات داخلية.
لكن الأخطر ليس وجود المخطط، بل توافر البيئة التي تسمح له بالعمل.
إن تحصين ما تبقى من أوطان لا يبدأ بالشعارات، بل بإعادة بناء المعنى:
معنى الدولة، ومعنى المواطنة، ومعنى الشراكة.
حين ندرك أن أي صراع داخلي هو، في جوهره، إعادة إنتاج لنفس الخرائط التي رُسمت لنا—لكن بأيدينا—نكون قد خطونا الخطوة الأولى.
التحدي الحقيقي ليس في كشف المخطط، بل في إفشاله عملياً، عبر إنتاج واقع وطني صلب، لا يجد فيه التفتيت تربة صالحة للنمو.