لم يكن عملية طوفان الأقصى حدثًا عسكريًا عابرًا، بل لحظةً كاشفة خرج فيها الواقع من تحت ركام اللغة، وفرض نفسه بلا وسطاء.
لم تُكسر الحدود وحدها… بل كُسر القاموس الذي طالما أخفى حقيقة الصراع خلف عباراتٍ مصقولة.
لسنوات، اشتغلت السردية الغربية على معادلة دقيقة:
تقديم الهيمنة بوصفها نظامًا أخلاقيًا.
الديمقراطية، حقوق الإنسان، الاستقرار… كلها لم تكن مجرد قيم، بل أدوات ضبطٍ للمعنى، تُعيد تعريف العنف وتُعيد ترتيب الضحية والجلاد.
لكن الطوفان فجّر هذه المعادلة من داخلها.
من “عبء الرجل الأبيض” إلى فجاجة الغنيمة
ليست هذه أول مرة تنكشف فيها هذه البنية.
من فكرة “عبء الرجل الأبيض”، مرورًا بخطابات نشر الديمقراطية بعد أحداث 11 سبتمبر، كانت الإمبراطورية تحتاج دائمًا إلى قصة أخلاقية تبرّر فعلها.
لكن ما تغيّر اليوم هو التالي:
لم تعد القصة مقنعة… ولا حتى ضرورية أحيانًا.
حين يتحدث ترامب بلغةٍ تختزل العالم إلى موارد وغنائم، فهو لا يشذّ عن التاريخ الأميركي، بل يختصره. الفرق فقط أن ما كان يُقال بلغةٍ ناعمة، صار يُقال بلغةٍ فظة.
وهنا تحديدًا يبدأ تآكل السردية:
ليس لأن الأفعال تغيّرت، بل لأن قدرة تبريرها انهارت.
الشقوق من الداخل: حين تعجز النخب عن الإقناع
ظهور أصوات مثل برني ساندرز وغيره لا يعني انقلابًا داخل النظام، بل يعني أن النظام بدأ يفقد إحدى أهم أدواته:
الإجماع الأخلاقي الداخلي.
وهذه ليست تفصيلة.
في لحظات سابقة—كحرب فيتنام—لم تبدأ الأزمة بهزيمة عسكرية، بل بفقدان القدرة على إقناع الداخل بجدوى الحرب.
اليوم، المشهد يتكرر بشكل مختلف:
صور لا يمكن تبريرها
خطاب لم يعد مقنعًا
انقسام يتسع ببطء
هذا لا يسقط النظام… لكنه يضعه في حالة دفاع دائم.
فلسطين: عودة ما لا يمكن دفنه
في ذروة هذا الانكشاف، عادت فلسطين… لا كقضيةٍ رومانسية، بل كـمشكلة بنيوية في النظام الإقليمي.
لقد راهن كثيرون على أن الزمن كفيل بتذويبها، وأن الاقتصاد يمكن أن يحل محل التاريخ، وأن التطبيع يمكن أن يطوي الصفحة.
لكن عملية طوفان الأقصى أثبت العكس:
ما لم يُحل… يُؤجَّل فقط.
القضية اليوم ليست كما كانت، لكنها أيضًا ليست كما أرادوها أن تصبح.
لم تعد مركز الإجماع الرسمي… لكنها تحوّلت إلى نقطة إحراج دائم.
وهم القفز فوق التاريخ
بنى نتنياهو مشروعه على فرضية بسيطة:
يمكن تجاوز الفلسطينيين.
وجاءت “اتفاقات إبراهام” لتُترجم هذه الفكرة إلى سياسة.
لكن الطوفان أعاد كل شيء إلى نقطة الصفر.
لم يعد ممكناً تسويق “السلام” بينما الحرب تُبثّ مباشرة.
ولم يعد ممكناً تمرير التطبيع كخيارٍ هادئ، بينما الكلفة الشعبية ترتفع.
أما الرهان على إدخال محمد بن سلمان في هذا المسار، فقد تحوّل من خطوة استراتيجية محسومة إلى مقامرة سياسية مفتوحة.
أمريكا: من إدارة العالم إلى فقدان السيطرة على صورته
المشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم ليست أنها فقدت قوتها، بل أنها بدأت تفقد قدرتها على تعريف نفسها.
وهذا أخطر.
في السابق، كانت تدير التناقض بين:
القوة والقيم
المصالح والخطاب
اليوم، هذا التوازن ينهار.
لم تعد قادرة على إقناع العالم… ولا حتى جزء من شعبها.
وهنا تبدأ الإمبراطوريات بالدخول في مرحلة جديدة:
ليس السقوط… بل فقدان المعنى
حين تصبح الحقيقة عبئًا
لم يُسقط الطوفان الأنظمة، ولم يُنهِ المشاريع، ولم يُحرّر الأرض.
لكنه فعل ما هو أخطر:
كشف البنية
فضح اللغة
وأعاد القضايا إلى أصلها
فلسطين لم تنتصر بعد…
لكنها أفشلت محاولة شطبها.
وأمريكا لم تنهَر…
لكنها لم تعد قادرة على الادعاء كما في السابق.
أما السردية الغربية، فقد دخلت مرحلة التآكل البطيء…
حيث لا تموت فجأة، لكنها تفقد قدرتها على إقناع العالم يومًا بعد ي وم
حين نطق الطوفان…بدأ تٱكل السردية الغريبة
“باسمِ (الغوييم) العرب.. نعتذرُ لإسرائيل: من الخندقِ حتى غزة ولبنان”
بقلم خورشيد الحسين نعتذرُ يا إسرائيل..باسم العواصم الصامتة، والجيوش المدججة بالصدأ، والضمائر التي بيعت في أسواق “الواقعية” الرخيصة. نعتذرُ لكِ اعتذاراً شاملاً، يبدأُ من حفر “الخندق” في المدينة، وصولاً إلى أنفاق “غزة” وبيوت “الجنوب” في لبنان.نعتذرُ لأن أجدادنا في “الخندق” لم يفهموا أن “الأحزاب” التي حاصرتهم كانت تملك “حقاً تاريخياً”، وأن صمودهم ذاك كان “إرهاباً” مبكراً ضد جيرانهم المسالمين. يا لخجلنا من ذلك الصمود الذي أخّر “السلام” ألفاً وأربعمائة عام!نعتذرُ اليوم، لأن غزة ولبنان يرتكبان “خطيئة” الصمود ذاتها. نعتذرُ لأن أشلاء الأطفال في قانا وجباليا تزعجُ طمأنينة مستوطنيكِ. ما كان لهؤلاء “المتمردين” أن يرفعوا رؤوسهم أمام آلتكِ المقدسة، فهم لا يمثلوننا.. نحن “الأمة المعتذرة”، نحن الذين نرى في دمارنا “وجهة نظر”، وفي إبادتنا “ضرورة ديمقراطية”.نعتذرُ بدمائنا الباردة وأرواحنا المستلبة..نرفعُ إليكم هذا “الاستغفار الحضاري” عن قرونٍ من “الوقاحة” التاريخية. نعتذرُ عن “خرافة” الرسالة؛ نعتذرُ لأن نبيَّنا في خيبر لم يكن “متسامحاً” بما يكفي ليترك لكم “حقكم” في قلب الجزيرة. يا لخجلنا من “عناده” ضد السامية! نعتذرُ لأننا صدقنا لقرونٍ أنه رسولٌ جاء بالحق، بينما الواقعُ “العربي” اليوم يثبتُ أنكم أنتم “الأنبياءُ الجدد” الذين تمنحوننا صكوك الغفران. نعتذرُ عن كل سيفٍ رُفع في وجهكم، ونعترفُ اليوم بأن “خيبر” لم تكن نصراً، بل كانت جريمةً نكفّرُ عنها الآن بالركوع.نعتذرُ عن “جهالة” عمر بن الخطاب..ذلك “البدوي” الذي جاء ليتسلّم مفاتيح القدس؛ نعتذرُ عن “خطيئته” حين وافق على “العهدة العمرية” وأقصاكم عن سكنى “مدينتكم”. يا لها من وقاحةٍ أن يجرؤ “عربي” على حرمان “أبناء الله” من هواء القدس! نحن اليوم نتبرأُ من عدله، ومن فتوحاته، ومن غبار نعليه. خذوا القدس، وخذوا الهيكل، وخذوا حتى صلواتنا، فقد اكتشفنا أخيراً أننا لسنا “خير أمة”، بل “أرذل أمة” أُخرجت للناس لتصفق لجلادها.نعتذرُ عن “ضجيج” جثثنا..نعتذرُ لأننا أزعجنا طائراتكم الفارهة بأشلاء أطفالنا. يا لقلة ذوقنا! كيف تجرؤ تلك الأجساد الصغيرة أن تتمزق لتخدش “جمال الديمقراطية” الإسرائيلية؟ اعتذارنا موصولٌ عن كل قطرة دمٍ سالت، فهي ليست إلا “تلوثاً بصرياً” في مشروع “الشرق الأوسط الجديد”. مئات…
Read more