حين يُعاد تعريف العدو: الحرب كاختبار للحقيقة لا للقوة

بقلم خورشيد الحسين
لم تعد الحرب في منطقتنا مجرد صدام عسكري على حدود الجغرافيا، بل تحولت إلى صراع على حدود الحقيقة نفسها. إنها اللحظة التي سقطت فيها الأقنعة، وظهرت التحالفات عارية من خطاباتها، ومتماسكة فقط بضرورات البقاء.
هذه الحرب لم تغيّر موازين القوى بقدر ما كشفت هشاشة السرديات التي سُوّقت لعقود تحت عناوين السيادة والاستقلال.

السيادة.. من القرار إلى “الوظيفة”

ما كشفته المواجهة بوضوح صادم، هو أن ما كان يُسمّى “قراراً سيادياً” قد تقلّص إلى مجرد “هامش حركة”.
الدول التي توهّمت أنها تدير أمنها، تبيّن أنها تتحرك داخل منظومة أوسع، تُحدد لها السقف… لا الاتجاه فقط.
لم تعد السيادة قراراً مستقلاً، بل تحولت إلى وظيفة داخل شبكة أمنية عابرة للحدود؛ شبكة تتداخل فيها الرادارات، وتُصنع فيها القرارات الكبرى خارج الحدود، لتُنفذ بأيدٍ داخلية.
أما “الضمانات الأمنية” التي طالما جرى تسويقها، فقد ظهرت على حقيقتها: ليست حماية، بل تبعية مشروطة؛ أمن مقابل سلب الإرادة، واستقرار مقابل الاصطفاف.

تبديل العدو.. الانقلاب الهادئ في البوصلة

لم يصدر بيان رسمي يعلن تغيير العدو، لكن الخطاب الرسمي أنجز ذلك عبر “هندسة صامتة”.
تحولت إسرائيل، بهدوء محسوب، من “عدو وجودي” إلى “ملف سياسي” قابل للإدارة،
فيما جرى رفع خصوم إقليميين إلى مرتبة “الخطر الوجودي” الذي لا يحتمل التأجيل.
بهذا التحول، لم تتغير الكلمات فقط، بل جرى إعادة تشكيل الوعي نفسه:
تم تخفيض العدو الحقيقي الذي يهدد الأرض والإنسان، ورفع خصوم آخرين إلى موقعه، حتى بدا هذا الانقلاب وكأنه “واقعية سياسية”، لا إعادة صياغة مريبة للمعركة.

نقد مزدوج: لا تبرئة ولا شيطنة

في قلب هذا المشهد، لا مكان للسرديات الكسولة؛ لا تبرئة مطلقة ولا شيطنة انتقائية.
إيران حالة مركّبة لا تختزل بشعار واحد.
فلا يمكن إنكار دورها في دعم قوى مقاومة، وإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في معادلات القوة.
لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل كلفة تدخلاتها في المجتمعات العربية، ولا توظيفها الخطير للبعد المذهبي لبناء نفوذ يتجاوز التوازن إلى تفتيت الداخل.
الحقيقة الصلبة:
لا يمكن إنكار دعم إيران للمقاومة… كما لا يمكن تبرير طريقتها في إدارة صراعاتها داخل نسيجنا العربي.
وفي الجهة المقابلة، لم تخطئ الأنظمة العربية في إدارة الخطر فقط، بل في تعريفه أصلاً.
فبدلاً من احتواء التوتر، جرى الاستثمار فيه؛ وبدلاً من ضبط النفوذ، فُتحت الأبواب للخارج.
لم تكن المشكلة في ضعف القدرة… بل في انحراف البوصلة.

البديل الضائع: الخصومة لا العداء

ما يجعل المشهد أكثر إيلاماً، أن هذا المسار لم يكن حتمياً.
كان يمكن إدارة الخصومة مع إيران بوصفها خصومة سياسية قابلة للاحتواء، لا صراعاً وجودياً صفرياً.
كان يمكن بناء معادلة “اشتباك منظّم”: اختلاف في ملفات، وتقاطع في أخرى، وعلى رأسها فلسطين.
لكن ما جرى هو العكس تماماً؛
تحولت الخصومة إلى قطيعة، والاختلاف إلى صراع هويات شامل، ففُتحت الأبواب أمام مشاريع التفكيك.
لقد أثبتت الوقائع أن إيران كان يمكن أن تكون خصماً سياسياً صعباً…
لكن تحويلها إلى عدو وجودي لم يخدم إلا من يحتل الأرض.

الفتنة والأقليات: اللعب في الشقوق

لم تكن الصواريخ هي الخطر الأكبر، بل ما يجري داخل المجتمعات.
الفتنة المذهبية ليست نتيجة جانبية للصراع، بل إحدى أدواته.
حين يتحول الخلاف السياسي إلى هوية، يصبح الانفجار مسألة وقت.
وفي هذا السياق، تتحول الأقليات إلى ساحات استثمار للصراع:
إيران توظف، نعم… لكنّها ليست وحدها.
إسرائيل والولايات المتحدة تلعبان على الشقوق نفسها، بوسائل أكثر هدوءاً ونتائج أكثر عمقاً.
والأهم، أن بعض الأنظمة العربية لم تكن بعيدة عن هذا المسار؛ فبدلاً من تحصين مجتمعاتها، انخرطت—بدرجات متفاوتة—في إدارة التوازنات الداخلية عبر توظيف الانقسامات ذاتها، إما خوفاً من الانفجار، أو سعياً للسيطرة، أو انسجاماً مع حسابات إقليمية أوسع.
وهكذا، لم تعد الشقوق تُدار من الخارج فقط… بل أُعيد إنتاجها من الداخل أيضاً.
وحين تُفتح هذه الأبواب، لا يدخل منها حليف… بل مشروع تفكيك.

الموقف في لحظة الاشتباك: وضوح بلا التباس

في خضم هذه المواجهة، لا بد من وضوح لا يحتمل الالتباس في تحديد الموقف:
حين تتحول المواجهة إلى صدام مباشر مع الاحتلال، فإن البوصلة لا تتردد؛ نقف ضده، وأي قوة تواجهه تندرج—في هذه اللحظة تحديداً—ضمن سياق الصراع معه، دون أن يعني ذلك تبنّي مشروعها أو تبرئة سياساتها، ودون أن يبرر استباحة أي أرض عربية أو تحويلها إلى ساحة مفتوحة للحروب.
من هنا، لا يمكن فصل ما يجري اليوم عن سياق أوسع لمحاولات إعادة تشكيل المنطقة. فحين تحدثت كونداليزا رايي عام 2006 عن “الشرق الأوسط الجديد”، لم يكن ذلك توصيفاً عابراً، بل إعلان مسار. واليوم، حين يتجدد الحديث عن تغيير الشرق الأوسط، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى أن المشروع لم يتوقف، بل يعاد إنتاجه بأدوات أكثر خشونة.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن صمود إيران، وصمود جنوب لبنان تحديداً، بما يحمله من ثقل معنوي وتاريخي في الصراع، يشكلان—بغض النظر عن أي خلاف—خط دفاع أول أمام إعادة تشكيل منطقة قد تدفع فيها الدول العربية أثماناً باهظة.
وفي المقابل، تكشف بعض التحركات الميدانية ما هو أبعد من الشعارات المعلنة؛ فاستهداف مواقع داخل سوريا تحت عناوين “حماية” مكونات بعينها، يطرح أسئلة تتجاوز البعد الإنساني إلى احتمالات تتعلق بالجغرافيا نفسها، حيث لم تكن الذرائع يوماً منفصلة عن حسابات الأرض.

البوصلة التي لا تخطئ

في نهاية هذا الانكشاف، لا بد من موقف لا يحتمل التأويل:
قد نختلف مع إيران، وقد نصطدم بمشروعها، وقد نخاصمها سياسياً…
لكن ذلك لا يمنحنا ترف تحويل العدو التاريخي إلى شريك، ولا الخصم الإقليمي إلى عدو وجودي.
هناك صراعات يمكن أن تُدار، وخلافات يمكن أن تُحتوى.
لكن هناك حقيقة واحدة لا تقبل المساومة:
لا توجد نقطة تقاطع واحدة مع من يحتل الأرض ويقتلع الإنسان.
كل ما عدا ذلك قابل للنقاش… أو حتى للصراع.
أما هذا، فليس موضع تفاوض… بل هو البوصلة.

  • Related Posts

    السلام المشوه.. انتحار الوعي على أعتاب الهزيمة

    السلام المشوه.. انتحار الوعي على أعتاب الهزيمة بقلم :خورشيد الحسين بينما يحاول “لبنان الرسمي” اليوم تسويق التنازل تحت مسمى السلام، نجد أنفسنا أمام لحظة مكاشفة قاسية. هذا ليس سلامًا، بل صفعة متعمدة للوعي الجماعي؛ محاولة لشرعنة “الموت السريري” للقضية الفلسطينية قبل أن تبدأ معركة الحق الحقيقية. نحن لا نتفاوض على حدود، بل يُطلب منا التوقيع على صك ملكية اللص للبيت، وشرعنة سرقة القدس، وطمس تاريخ لم يزرعه هؤلاء العابرون. أنا ضد هذا السلام بالمطلق، ليس من باب الكراهية، بل لأن السلام مع الاحتلال يعني التواطؤ مع الظلم والمشاركة في سرقة الحق. إن القضية الفلسطينية اليوم هي مرآة عجز الوعي العربي، خصوصًا الوعي السني الذي يُراد له أن يبقى مشلولًا، مكتفياً بالمراقبة والمبررات الشكلية. فهل نكتفي بالصمت، أم نعيد الاعتبار للحق بصمود وعقل؟ خديعة الاندماج وتفتيت المنطقة ما يُطرح اليوم ليس مجرد ترتيبات سياسية، بل مشروع تصفية شامل. إسرائيل لا تبحث عن جيرة حسنة، بل عن اندماج قسري يبتلع الهوية العربية، مدعومًا بآلة أمريكية ترى في تفتيت المنطقة إلى دويلات متناحرة وسيلة للهيمنة المطلقة. إن تصريحات المسؤولين الأمريكيين الأخيرة حول “حق إسرائيل في توسيع أراضيها” تؤكد أن السلام المقترح هو مجرد استراحة محارب للعدو ليقضم المزيد من الجغرافيا والتاريخ. المقاومة: جذور محلية وأفق قومي هنا يبرز دور المقاومة في لبنان، ليس كأداة خارجية، بل كفعل وجودي متجذر في الأرض منذ أيام المحتل الفرنسي وصولًا إلى طلائع المقاومة الفلسطينية الأولى. إن محاولات عزل الطائفة الشيعية –العمود الفقري للردع– ليست إلا تمهيدًا لإخلاء الساحة أمام الهجمة الصهيونية القادمة. صمود حزب الله اليوم لا يحمي فقط ما تبقى من كرامة القضية الفلسطينية، بل يفشل أيضًا المخططات الصهيونية المباشرة في لبنان، سواء في الأرض أو الماء أو الغاز، ليؤكد أن لبنان المقاوم هو خط الدفاع الأول ضد الأطماع الإسرائيلية في كل شبر من الوطن. الخصومة السياسية والعداء الاستراتيجي من المهم التأكيد على أن الخصومة مع إيران ليست مبدأً استراتيجيًا يمنع التعاون عند الضرورة. نعم، هناك أخطاء سياسية إيرانية كثيرة، لكن…

    Read more

    النزوح في لبنان: الحرب تكشف ما يخفيه الاحتقان الداخلي

    النزوح في لبنان: الحرب تكشف ما يخفيه الاحتقان الداخلي بقلم خورشيد الحسين ليست المأساة التي يعيشها لبنان اليوم في نزوح آلاف العائلات من الجنوب مجرد نتيجة للحرب، بل هي أيضاً نتيجة خلل أعمق بكثير: خلل في البوصلة الأخلاقية والسياسية لدى جزء من الرأي العام العربي. المشهد الذي يتكرر في لبنان، كما في غيره من البلدان العربية، لا يقتصر على سقوط القذائف والبيوت، بل يمتد إلى سقوط شيء أخطر: سقوط القدرة على التمييز بين المعتدي والضحية. لقد نجحت عقود طويلة من الحروب الإعلامية والنفسية في تحقيق ما عجزت عنه الجيوش أحياناً: تحويل جزء من الوعي العربي من موقع الغضب على الاحتلال إلى موقع التبرير له، أو على الأقل إلى موقع الرضا الضمني بجرائمه ما دام الضحايا ينتمون إلى خصم سياسي أو مذهبي. وهنا تكمن الكارثة. فبدل أن يبقى الصراع واضحاً في الوعي العربي بوصفه صراعاً بين مشروع استيطاني توسعي وبين شعوب المنطقة، جرى تدريجياً تحويله في أذهان كثيرين إلى صراع داخلي بين العرب أنفسهم. وبدل أن يكون الاحتلال هو المشكلة، صار بعض العرب يتعاملون مع ضحاياه وكأنهم المشكلة. الأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة لم تعد محصورة في بعض النخب السياسية أو الإعلامية، بل بدأت تتسلل إلى وعي قطاعات شعبية واسعة، خصوصاً في البيئات التي تعرّضت لسنوات طويلة من التعبئة الطائفية والتحريض الإعلامي. وهكذا يحدث التحول الصادم: يتحوّل العربي الذي نشأ تاريخياً على اعتبار إسرائيل عدواً وجودياً إلى موقع نفسي يرى فيه القصف الإسرائيلي شأناً يمكن تبريره أو التغاضي عنه، ما دام الضحايا ينتمون إلى معسكر سياسي لا يوافقه. إنه تحوّل خطير في الوعي قبل أن يكون موقفاً سياسياً. ومن هنا لا يمكن فهم أزمة النزوح في لبنان بمعزل عن هذا التحول. فحين يُطلب من ضحايا القصف أن يبرروا نزوحهم، أو أن يعتذروا عن مصيبتهم، فنحن لا نكون أمام أزمة إنسانية فقط، بل أمام أزمة وعي سياسي وأخلاقي عميقة. السؤال الذي يهرب منه الجميع: ماذا لو انتصرت إسرائيل؟ إذا أردنا أن نتحدث ببرودة سياسية بعيداً عن…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    من هم الكفار الذين يقاتلون أبناء عمومتنا؟

    حين نطق الطوفان…بدأ تٱكل السردية الغريبة

    “باسمِ (الغوييم) العرب.. نعتذرُ لإسرائيل: من الخندقِ حتى غزة ولبنان”

    من يحوّل الطائفية إلى سلاح؟ قراءة في واقع الانقسام العربي

    المأزق الأمريكي–الإسرائيلي: حين تعجز التكنولوجيا أمام حرب الشبكات والزمن المفتوح

    حين يُعاد تعريف العدو: الحرب كاختبار للحقيقة لا للقوة